محمد جواد مغنية

441

في ظلال نهج البلاغة

تطلبه ، ورزق يطلبك » أنعمت الفكر من جديد ، ولم أعطف على ما سبق ، فاهتديت الطريق - بتوفيق اللَّه وبركة الإمام - إلى ما يلي : لكل شيء داعية وسبب ، رزقا كان أم غير رزق ، لأن اللَّه سبحانه أبى إلا أن يربط الأشياء بأسبابها ، والنتائج بمقدماتها ، والفرق بين الرزق وغيره يعود إلى أن غير الرزق قد يمكن ضبطه وتحديده من خلال العلم بأسبابه : أما الرزق فلا يمكن ضبطه وتحديده بحال حتى من خلال العلم بأسبابه . هذا هو الفرق لا ما قاله الشارحون : ان الرزق بيد اللَّه وحده وبلا سبب وواسطة على الإطلاق . . كلا وألف كلا . . أبدا لا رزق إلا بسبب مع توفيق اللَّه وعنايته سوى انه لا يقدر بسببه ، أما غيره فيمكن تقديره بسببه الموجب له . - مثلا - أستطيع أن أحدد من طبيعة الموضوع ان الكتابة عنه سوف تستغرق صفحة أو صفحتين ، وان لدي من المال ما يكفي لبناء غرفة أو غرفتين ، أما الرزق فلا يمكن ضبطه وتحديده حتى مع مباشرة أسبابه ، فالفلاح يزرع ، وينتظر الحصاد ، والأمر بيد اللَّه ، فقد تكون النتيجة الخصب أو الجدب ، والتاجر يعرض السلعة في حانوته ، وقد تكسد أو تروج ، وأيضا قد يرتفع ثمنها أو ينخفض لسبب أو لآخر . . وكذلك الحلاق وصاحب « التكسي » وغيرهما من أرباب الصناعة - تختلف أرزاقهم من يوم إلى يوم . . حتى الموظف والعامل الدائم مظنة الفصل والطرد ، ولو بإفلاس رب العمل ، أو انهيار الدولة من الأساس ، وأيضا رزقهما مظنة الزيادة بارتفاع الأجور والرواتب ، أو بساعات إضافية ، وغير ذلك مما لم يكن في الحسبان . . وأي خبير يستطيع أن يقدّر ويحدد أرباح المهربين والمغامرين . وبهذا يتبين معنا التفسير الصحيح لقول الإمام : ( الرزق رزقان : رزق تطلبه ) وهو الذي صممت عليه ، وسعيت اليه ، وجعلته نصب عينيك ، وبذلت في سبيله كل جهد ( ورزق يطلبك ) وهو الذي لم يكن في الحسبان ، ولا مر بالخيال والبال ، كالفلاح يفاجأ بالخصب ، والتاجر بارتفاع أثمان ما يملك من السلع ، والوظيفة تطرق الباب بلا علم وسعي سابق . وكم من وزير ومدير ومحافظ وسفير قرؤا خبر توظيفهم في الصحف ، أو سمعوه من الإذاعة فجأة وحين اليأس والقنوط .